عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
406
الذيل على طبقات الحنابلة
كثيراً من الدكاكين التي من شأنها أن تفتح أول النهار . وفتح باب القلعة . وكان نائب السلطنة غائباً عن البلد ، فجاء الصاحب إلى نائب القلعة ، فعزاه به وجلس عنده ، واجتمع عند الشيخ في القلعة خلق كثير من أصحابه ، يبكون ويثنون ، وأخبرهم أخوه زين الدين عبد الرحمن : أنه ختم هو والشيخ منذ دخلا القلعة ثمانين ختمة ، وشرعا في الحادية والثمانين ، فانتهيا إلى قوله تعالى : " إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر " " القمر : 54 . 55 " . فشرع حينئذ الشيخان الصالحان : عبد الله بن المحب الصالحي ، والزرعي الضرير - وكان الشيخ يحب قراءتهما - فابتداء من سورة الرحمن حتى ختما القرآن . وخرج الرجال ، ودخل النساء من أقارب الشيخ ، فشاهدوه ثم خرجوا ، واقتصروا على من يغسله ، ويساعد على تغسيله ، وكانوا جماعة من أكابر الصالحين وأهل العلم ، كالمزي وغيره ، ولم يفرغ من غسله حتى امتلأت القلعة بالرجال وما حولها إلى الجامع ، فصلَى عليه بدركات القلعة : الزاهد القدوة محمد بن تمام . وضج الناس حينئذ بالبكاء والثناء ، وبالدعاء والترحم . وأخرج الشيخ إلى جامع دمشق في الساعة الرابعة أو نحوها . وكان قد امتلأ الجامع وصحنه ، والكلاسة ، وباب البريد ، وباب الساعات إلى الميادين والفوارة . وكان الجمع أعظم من جمع الجمعة ، ووضع الشيخ في موضع الجنائز ، مما يلي المقصورة ، والجند يحفظون الجنازة من الزحام ، وجلس الناس على غير صفوف . بل مرصوصين ، لا يتمكن أحد من الجلوس والسجود إلا بكلفة . وكثر الناس كثرة لا توصف . فلما أذن المؤذن الظهر أقيمت الصلاة على السدة ، بخلاف العادة ، وصلوا الظهر ، ثم صلوا على الشيخ ، وكان الإِمام نائب الخطابة علاء الدين بن الخراط لغيبة القزويني بالديار المصرية . ثم ساروا به ، والناس في بكاء ودعاء وثناء ، وتهليل وتأسف ، والنساء فوق الأسطحة من هناك إلى المقبرة يدعين ويبكين